الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
168
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بأنهم أظلم الناس تشنيعا لحالهم . فالمراد من هذا الاستفهام هم الذين كذبوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ولذلك عطف هذا الكلام بالواو ودون الفاء لأنه ليس مفرعا على دعوة عيسى عليه السلام . وقد شمل هذا التشنيع جميع الذين كذبوا دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتابين والمشركين . والمقصود الأول هم أهل الكتاب ، وسيأتي عند قوله تعالى : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ إلى قوله : وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ الصف : 8 ، 9 ] فهما فريقان . والاستفهام ب مَنْ أَظْلَمُ إنكار ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء فالمكذبون من قبلهم ، إما أن يكونوا أظلم منهم وإمّا أن يساووهم على كل حال ، فالكلام مبالغة . وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم ظلموا الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بنسبته إلى ما ليس فيه إذ قالوا : هو ساحر ، وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها النجاة ، فيعرضوا دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم على النظر الصحيح حتى يعلموا صدقه ، وظلموا ربهم إذ نسبوا ما جاءهم من هديه وحجج رسوله صلى اللّه عليه وسلّم إلى ما ليس منه فسموا الآيات والحجج سحرا ، وظلموا الناس بحملهم على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل مثبتة صدق رسول الإسلام صلى اللّه عليه وسلّم وكمل لهم هذا الظلم بقوله تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فيعلم أنه ظلم مستمر . وقد كان لجملة الحال وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ موقع متين هنا ، أي فعلوا ذلك في حين أن الرسول يدعوهم إلى ما فيه خيرهم فعاضوا الشكر بالكفر . وإنما جعل افتراؤهم الكذب على اللّه لأنهم كذبوا رسولا يخبرهم أنه مرسل من اللّه فكانت حرمة هذه النسبة تقتضي أن يقبلوا على التأمل والتدبر فيما دعاهم إليه ليصلوا إلى التصديق ، فلما بادروها بالإعراض وانتحلوا للداعي صفات النقص كانوا قد نسبوا ذلك إلى اللّه دون توقير . فأما أهل الكتاب فجحدوا الصفات الموصوفة في كتابهم كما قال تعالى فيهم وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ في سورة البقرة [ 140 ] . وذلك افتراء . وأما المشركون فإنهم افتروا على اللّه إذ قالوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 91 ] .